ابن الأثير

101

أسد الغابة ( دار الفكر )

وقال : ويلكم ! ألستم تعلمون أنه من غفار ، وأنه طريق تجاركم إلى الشام ؟ فأنقذه منهم ثم عاد من الغد لمثلها ، فضربوه وثاروا إليه ، فأكب العباس عليه [ ( 1 ) ] . وروينا في إسلامه الحديث الطويل المشهور ، وتركناه خوف التطويل . وتوفى أبو ذر بالربذة سنة إحدى وثلاثين ، أو اثنتين وثلاثين . وصلى عليه عبد اللَّه ابن مسعود ، ثم مات بعده في ذلك العام . و قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : « أبو ذر في أمّتى على زهد عيسى ابن مريم » . و قال على : وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ، ثم أوكى [ ( 2 ) ] عليه فلم يخرج منه شيئا . أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس ، عن ابن إسحاق قال : حدّثنى بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن مسعود قال : لما سار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل ، فيقولون : يا رسول اللَّه ، تخلف فلان . فيقول : دعوه ، إن يكن فيه خير فسيلحقه اللَّه بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه . حتى قيل : يا رسول اللَّه ، تخلف أبو ذر . فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ما كان يقوله ، فتلوم [ ( 3 ) ] أبو ذر على بعيره ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ، ثم خرج يتبع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ماشيا ، ونظر ناظر من المسلمين فقال : إن هذا الرجل يمشى على الطريق ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : كن أبا ذر . فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول اللَّه ، هو واللَّه أبو ذر . فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم : « يرحم اللَّه أبا ذر ، يمشى وحده ، ويموت وحده ، ويحشر وحده » [ ( 4 ) ] . فضرب الدهر من ضربه . وسير أبو ذر إلى الرَّبَذَة . وفي ذكر موته ، وصلاة عبد اللَّه بن مسعود عليه ، ومن كان معه في موته ، ومقامه بالربذة ، أحاديث لا نطول بذكرها . وكان أبو ذر طويلا عظيما . أخرجه أبو عمر .

--> [ ( 1 ) ] البخاري ، كتاب فضائل الأنصار ، باب « إسلام أبي ذر » : 5 / 59 - 60 ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أبي ذر رضى اللَّه عنه » : 7 / 155 - 156 . [ ( 2 ) ] في المطبوعة : « أوكأ » . والصواب عن المصورة يقال : أوكى السقاء : إذا شد رأسه بالوكاء - وهو الخيط الّذي تشد به الصرة والكيس - لئلا يدخله حيوان ، أو يسقط فيه شيء . [ ( 3 ) ] أي تمكث وتمهل . [ ( 4 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 523 - 524 .